لسان الدين ابن الخطيب
50
معيار الإختيار في ذكر المعاهد والديار
نتيجة علمه وبحثه ، وجوبه بلاد العالم ، ووقوفه بأقطار كثيرة للدرس والبحث . وتكون النتيجة أن يتقرب الراوي إلى الشيخ ، مطمئنا إياه إلى حسن طويته ، وما عليه من خلق يؤهله لان يتشرف بالاستماع إلى فيض علمه ، ويسأل الراوي الشيخ ان يصف له بلاد الأندلس ثم بلاد المغرب ، في دقة وأمانة واخلاص ، فأجابه الشيخ إلى طلبه ، وبدأ الراوي بالسؤال عن جبل الفتح ( جبل طارق ) وهكذا . . حتى انتهى من المدن الأندلسية بمدينة « رندة » . ثم أخبر الشيخ سائله بأن الصبح قد قارب الوجود ، وأنه قد وفاه - في الوصف - حسابه ، ولم يبق الا أن يكافئه على هذه الذخائر حتى يكون له أليفا ورفيقا ، فينثر الراوي المال بين يدي محدثه فيأخذ منه شاكرا ، وأخيرا يتفقد الراوي الشيخ على ضوء مصباح ، فلا يجد له أثرا ، « فكأن الفلك لفه في مداره ، أو خسفت الأرض به وبداره » ، فيتأسى الراوي عن هذا الفراق بأن « لكل اجتماع من خليلين فرقة » . هكذا ينتهى نهج المؤلف في « المجلس الأول » من كتابه . أما في « المجلس الثاني » فان الراوي يلج أحد الأسواق ، وفي السوق « أمم تنسل من كل حدب ، وتنتدب من كل منتدى ومنتدب » ، في بيع وشراء ، وتحايل للتعايش والكسب ، بمختلف الوسائل والاعمال ، فهناك « رقاة جنون ، بضروب من القول وفنون ، وفيهم كهل قد استظل بقيطون » ، قد ادعى العلم بالمغيبات ، والتفسير للمشكلات والإحاطة بأسرار الطبيعة ، وشفاء العضال من الأمراض ، وفي مجال العلوم قد برع ، ما بين طب ورياضة وتاريخ وجغرافية ، وحديث وتفسير ، ومنثور ومنظور ، ومنطق وبرهان ، فهو قد جاب الأقطار في الدرس والبحث والمعرفة . وهنا يجد الراوي بغيته ، فقد ذكره ذلك الرجل بالشيخ الأول ، فأراد أن يستكمل